ابن ميثم البحراني
219
شرح نهج البلاغة
بالحقّ واستراق طرق الباطل لهم وإهلاكها إيّاهم ، وهي الشبه المستلزمة للآراء الفاسدة كما يقال في العرف : أخذته الطريق إلى مضيق ، وهي مجاز في المفرد والمركَّب : أمّا في المفرد فلأنّ سلوكهم لسبل الباطل لمّا كان عن غير علم منهم بكونه باطلا ناسب الغيلة فأطلق عليه لفظها ، وأمّا في المركَّب فلأنّ إسناد الغيلة إلى السبل ليس حقيقة . إذ الغيلة من فعل العقلاء . واتّكالهم على الولائح اعتماد كلّ من رأى منهم رأيا فاسدا على أهله وخواصّه في نصرة ذلك الرأي . ووصلوا غير الرحم : أي غير الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وترك المضاف إليه للعلم به . وكذلك هجروا السبب الَّذي أمروا بمودّته ولزومه يريد أهل البيت أيضا ، وظاهر كونهم سببا لمن اهتدى بهم في الوصول إلى اللَّه سبحانه كما قال الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : خلَّفت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . فاستعار لهم لفظ الحبل ، والسبب في اللغة الحبل وأمرهم بمودّته كما في قوله تعالى « قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » ( 1 ) . وقوله : ونقلوا البناء عن رصّ أساسه فبنوه في غير موضعه . إشارة إلى العدول بأمر الخلافة عنه وعن أهل بيته إلى غيرهم ، وصلة غير الرحم خروج عن فضيلة العدالة إلى رذيلة الظلم ، وعدم مودّة أولى القربى رذيلة التفريط من تلك الفضيلة الداخلة تحت العفّة ، وكذلك نقل البناء عن موضعه دخول في رذيلة الظلم . ثمّ وصفهم وصفا إجماليّا بكونهم معادن كلّ خطيئة : أي إنّهم مستعدّون لفعل كلّ خطيئة ، ومهيّؤون لها . فهم مظانّها ، ولفظ المعادن استعارة ، وكذلك أبواب كلّ ضارب في عمرة ، واستعار لفظ الأبواب لهم باعتبار أنّ كلّ من دخل في غمرة جهالة أو شبهة يثير بها فتنة ، واستعان بهم فتحوا له ذلك الباب وساعدوه وحسّنوا له رأيه فكأنّهم بذلك أبواب له إلى مراده الباطل يدخل منها . وقوله : قد ما روا في الحيرة . أي تردّدوا في أمرهم فهم حائرون لا يعرفون جهة الحقّ فيقصدونه ، وذهلوا :
--> ( 1 ) 42 - 22 .